الخطاب الإصلاحي
التربوي بين أسئلة الأزمة وتحديات التحول الحضاري
تأليف: ذ.مصطفى محسن
قراءة: نور الدين الطاهري
تندرج هذه الدراسة القيمة، للأستاذ مصطفى محسن، حول موضوع الخطاب الإصلاحي التربوي… في إطار مشروعه الفكري الهادف إلى المساهمة في تأسيس فكر تربوي وسوسيولوجي قائم على منظور نقدي.
ولهذا المشروع الفكري مقومات معرفية إبستمولوجية تؤطر رؤية الباحث المنهجية التي يقترحها منطلقا للحوار التكاملي والنقد المنفتح، وهو ما يسميه الباحث بالنقد المتعدد الأبعاد: Critique multidimensionnelle.
ومن أهم هذه المقومات المعرفية-الإبستمولوجية للمشروع:
أولا، ضرورة تحديد الإطار التخصصي، الذي ينطلق منه الباحث في النقد والتحليل في كل مقاربة أو قراءة أو تحاور؛
ثانيا، الاعتراف بأن المسافة النقدية التي يفترض أن يتخذها الباحث في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية تجاه الواقع المبحوث لا تتسم سوى بصلاحية أو مصداقية نسبية،
ثالثا، أهمية الوعي بالخلفية النظرية والمنهجية التي يتم اعتمادها في مقاربة ما، أو في مجال تخصصي معين،
رابعا، الوعي بتعددية وتعقد واختلاف أبعاد الظواخر الاجتماعية -والتربوية منها بشكل خاص- والتي يتم اتخاذها موضوعا للدراسة،
خامسا، العمل على تجنب الطروحات الاختزالية الضيقة، أي أهمية الاحتراس من اختزال الواقع المتعدد والمتحول في أحد أبعاده أو جوانبه.
هذه باختصار وتركيز شديدين أهم المقومات المعرفية-الإبستمولوجية للمشروع الفكري للباحث، رأينا ضرورة تسجيلها في مقدمة هذه القراءة لدراسته الجديدة حول موضوع الخطاب الإصلاحي التربوي… ويبقى أن نشير في هذا الإطار، إلى أن لهذا المشروع الفكري مقومات أخرى ذات طبيعة اجتماعية-تاريخية، منها: نقد الذات في هويتها الخصوصية والكونية، وفي بعدها الزمني-التاريخي، وفي كل أبعادها السوسيولوجية والثقافية والحضارية؛ ونقد الآخر/المغاير الحضاري أيضا في اختلافه وتميزه؛ وثالثا، نقد اللحظة الحضارية بكل أبعادها ودلالاتها محليا وكونيا. وهكذا، فإن تكامل هذه المقومات المعرفية والاجتماعية-التاريخية هو ما يعطي لهذا المشروع شموليته النقدية وأهميته التأسيسية الكبيرة. وخصوصا في هذا المنعطف الحضاري الكوني الجديد، الذي تمر منه مجتمعاتنا، والذي تتقاذفه رياح العولمة الزاحفة.
الإشكالية المحورية في الدراسة وتساؤلاتها الأساسية:
اهتمت الإشكالية المحورية في هذه الدراسة، أساسا، بتحليل مرجعيات الخطابات السائدة حول الأزمة والإصلاح التربوي، وذلك من خلال تقديم قراءة نقدية لمضامين وتصورات وتوجهات الخطاب الإصلاحي التربوي، وبالتالي لمفهومي الأزمة والإصلاح بالذات، وما لهما في هذا الخطاب من أبعاد ودلالات فلسفية وسياسية واجتماعية متعددة.
ويمكن اختزال أهم الأفكار والطروحات والتصورات التي عالجتها هذه الدراسة في مباحثها الستة، في التساؤلات الأساسية التالية:
أولا، ما المقصود، تحديدا، بمفهوم الأزمة؟ وهل هي أزمة قطاع تربوي أم أزمة نظام مجتمعي؟ وكيف تعاملت الخطابات السائدة مع هذا المفهوم "الجدلي"؟
ثانيا، ما هي أهم التجليات أو التمظهرات التي تعبر فيها وبواسطتها هذه الأزمة عن ذاتها؟ وما هي، تبعا لذلك، أهم عواقبها وآثارها التربوية والاجتماعي السلبية؟
ثالثا، ما هي أهم المقترحات التحليلية والتفسيرية التي يقدمها، حول مفهومي الأزمة والإصلاح في المجال التربوي، كل من المرجعية الليبرالية، والمرجعية النقدية الماركسية، والمنظور التكاملي الحواري؟
وإجمالا، تنتهي مجموعة علامات الاستفهام هذه بسؤال أكبر: ما هي أهم العناصر الأولية للتفكير في شروط ومستلزمات الإصلاح التربوي المنشوذ، الكفيل يتجاوز الأزمة القائمة بكل عواملها وحواملها واستتباعاتها السلبية؟
وفي هذه القراءة، سنركز على مجموعة من المحاور التي نراها أساسية، وهي تحديدا محاور ستة:
1 ـ مفهوم "الأزمة" في المجال التربوي بين المنظور النقدي والمنظورات التقنوية والاختزالية
2 ـ أهم تمظهرات الوضع المأزمي التربوي في المجتمع المغربي
3 ـ العواقب والامتدادات التربوية والثقافية والاجتماعية لأزمة النظام التربوي بالمغرب
4 ـ نحو منظور تكاملي شمولي لمفهومي الأزمة والإصلاح.
5 ـ عانصار أولية للتفكير النقدي في شروط ومستلزمات الإصلاح التربوي المنشود
6 ـ الخطاب الإصلاحي التربوي ومسألة الهوية الإسلامية.
I ـ مفهوم الأزمة في المجال التربوي بين المنظور النقدي والمنظورات التقنوية والاختزالية:
لتأسيس رؤيته النقدية للخطابات التي تتعامل مع مفهوم الأزمة ينطلق الباحث من الدلالة العامة للمفهوم: فالأزمة عنده هي: "مجموعة من العوائق والمشكلات والعراقل والتوعكات التي يعاني منها قطاع أو مجال أو شيء ما، والتي تشل حركيته العادية، وتخلخل أو تعوق إيقاع سيره الكبيعي، أو تجعله محدود المردودية والكفاية، غير مستجيب، بشكل فعال، لمجمل الأهداف والغايات والمقاصد، التي من المفترض أن يسير باتجاه تحقيقها".
وانطلاقا من هذا المفهوم في دلالته الأكثر عمومية، تقترح هذه الرؤية النقية تجنب الوقوع في منزلقين: التعامل الذي يجعل من الأزمة مجرد اختلال وظيفي Dysfonctionnement لا يتطلب سوى بعض التعديلات الإصلاحية البسيطة، هذا أولا، ثانيا، الوقوع في منزلق المنظورات التقنوية والاختزالية الضيقة: Technicistes et Réductionistes التي تفسر الكل بالجزء، "فتقلب بذلك منطق الأشياء، وتجعل من هذا الجزء ممتكلا لقدرة تفسيرية عجيبة للكل المجتمعي، وذلك بدل أن يكون هذا الكل هو المتحكم في الجزء، يفسره، ويحدد معالمه، بل ومآله أيضا. وذلك دون إلغاء نهائي لهذا الجزء ولدوره التفسيري أيضا".
وعلى عكس الطروحات التقنوية المغرقة في التبسيطية والميكانيكية يعتقد الباحث أن أزمة النظام التربوي، في المغرب على الخصوص، هي "أزمة مركبة متشابكة العناصر والمكونات. إنها أزمة بنيات وهياكل، وتوجهات تنموية، واختيارات سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية شمولية، وناظمة للكل المجتمعي، بتعدد مجالاته وقطاعاته الإنتاجية والاجتماعية العامة".
II ـ أهم تمظهرات الوضع المأزمي التربزي في المجتمع المغربي:
ومن أهم التمظهرات، من وجهة نظر الباحث، التي تعبر عن بعض جوانب ومؤشرات الواقع المأزمي للنظام التربوي بالمغرب راهنا:
1 ـ عجز النظام التعليمي والسياسة التربوية عموما عن تحقيق الدمقرطة الحقيقية والتكافؤ الشامل للفرص التعليمية والاجتماعية،
2 ـ واقع الانفصام القائم حاليا بين مضامين التربية والتعليم والتكوين وبين الحقل الثقافي والاجتماعي العام،
3 ـ وضعية اللاتطابق بين مخرجات أنظمة التعليم والتكوين وبين قطاعات الشغل والاقتصاد والمجالات الإنتاجية والاجتماعية العامة،
4 ـ ضعف المردودية أو الكفاية الداخلية للأنظمة التعليمية والتكوينية،
5 ـ تمامي شروط ومظاهر التبعية لمراكز القرار الأجنبية (كالهيئات الفرانكوفونية، وصندوق النقد الدولي، واليونسكو… وغيرها من الهيئات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية النشطة في المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتعددة)
6 ـ فشل النظام التربوي في المغرب في التوصل إلى تأسيس مدرسة وطنية موحدة ومستجيبة في مقوماتها، ومضامين تعليمها، ولغتها، وأهدافها، وتوجهاتها لمتطلبات وحاجات المجتمع المغربي المعاصر،
7 ـ الواقع المتأزم للمسألة التعليمية في الوسط القروي،
8 ـ أزمة الجامعة والتعليم العالي عموما: (أزمة البنيات والهياكل التنظ